الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
140
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للملحد : قرر شبهتك ، وهو يريد أن يدحضها له . وهذا عضد الدين في كتاب « المواقف » يذكر شبه أهل الزيغ والضلال قبل ذكر الأدلة الناقضة لها . وتقدم الإلقاء آنفا . وذكر هنا مفعول أَلْقُوا واختصر في سورة الأعراف . وفي كلام موسى عليه السلام استخفاف بما سيلقونه لأنه عبر عنه بصيغة العموم ، أي ما تستطيعون إلقاءه . وتقدم الكلام على الحبال والعصيّ في السحر عند الكلام على مثل هذه القصة في سورة طه . وقرنت حكاية قول السحرة بالواو خلافا للحكايات التي سبقتها لأن هذا قول لم يقصد به المحاورة وإنما هو قول ابتدءوا به عند الشروع في السحر استعانة وتيمّنا بعزة فرعون . فالباء في قولهم بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ كالباء في « بسم اللّه » أرادوا التيمن بقدرة فرعون ، قاله ابن عطية . وقيل الباء للقسم : أقسموا بعزة فرعون على أنهم يغلبون ثقة منهم باعتقاد ضلالهم أن إرادة فرعون لا يغلبها أحد لأنها إرادة آلهتهم . وهذا الذي نحاه المفسرون ، والوجه الأول أحسن لأن الجملتين على مقتضاه تفيدان فائدتين . والعزّة : القدرة ، وتقدم في قوله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ في سورة البقرة [ 206 ] . وجملة : إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ استئناف إنشاء عن قولهم : بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ : كأن السامع وهو موسى أو غيره يقول في نفسه : ما ذا يؤثر قولهم بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ ؟ فيقولون : إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ، وأرادوا بذلك إلقاء الخوف في نفس موسى ليكون ما سيلقيه في نوبته عن خور نفس لأنهم يعلمون أن العزيمة من أكبر أسباب نجاح السحر وتأثيره على الناظرين . وقد أفادت جملة : إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ بما فيها من المؤكدات مفاد القسم . [ 45 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 45 ] فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) تقدم قريب منه في سورة الأعراف وفي سورة طه . [ 46 - 49 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 46 إلى 49 ] فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 )